| Message | عاد اليها الكبار وامتلأ فضاؤها بضجيج الصغار جشي يتحدث لـ"البناء" عن تفاصيل سير مشروع وعد في الضاحية: أي تقصير غير مقصود وسنعيد الجميع الى أرضهم ومساكنهم
إحسان علّوه بعد أربع سنوات على عدوان تموز، خلعت عروس العواصم ثوبها الملوث بحقد الدمار والخراب وهمجية السلاح المعادي، ونهضت من تحت الركام لترتدي ثوبا يليق بعرين المقاومة. الضاحية الجنوبية لبيروت مختلفة اليوم. اختلاف تتلمسه في معالم الابنية التي تغيرت وان احتفظت بأشياء كثيرة من قديمها. تتلمسه في الغبار الصاعد من بعض ابنيتها، غبار سيطوي قريبا مرحلة مهمة من تاريخ الضاحية، صنعت حقبة مشرقة رفعت اسم الضاحية عاليا. أما عمرانيا، فصارت أبنية الضاحية اليوم تحاكي العمارات الحديثة بمواصفات تراعي السلامة العامة، شوارعها اكثر اتساعا، تنظيمها المدني بات أجمل مما كان... هكذا وعد مشروع "وعد" الذي تكفل بإعمار الضاحية، ووفى بوعده كما يؤكد مدير المشروع حسن جشي في حديث لـ "البناء".
ثلاث سنوات ونيف مرت على انطلاقة مشروع "وعد"، انجز خلالها 76% من مجمل اعادة الاعمار في الضاحية. فتم تسليم 126 مبنى من اصل 247 الى الاهالي منها شقق سكنية ومستودعات. وستسلم خلال شهر آب مجموعة أخرى من المباني (أكثر من 20 مبنى)، ما يشير الى المرحلة المتقدمة التي وصل اليها المشروع وستنجز خلال الاشهر المقبلة معظم الاعمال، كما يعلن جشي لـ "البناء". "وعد" يتحدى أفهم الناس العدو رسالة مفادها "اضربونا وسنعيد الإعمار مهما دمرتم". رسالة طبقها ابناء الجنوب والضاحية والوطن بأكمله كما يقول جشي "لأن أولئك الناس يحبون الحياة لكن بكرامة". اما رسالة مشروع "وعد" للعدو الذي قال انه سيعيد لبنان 20 سنة الى الوراء فكانت رسالة ملؤها التحدي، سابق فيها المشروع الزمن "فأعدنا وارجعنا لبنان افضل مما كان خلال اربع سنوات وليس 20 سنة". واكد جشي ان المجتمع الدولي "لن يستطيع تحقيق اهدافه الخبيثة داعيا اياه الى ترك هذه المنطقة تعيش بسلام. والشعوب العربية تعيش بحرية". مغامرة ناجحة يعود جشي بالذاكرة الى ما تعرضت له عاصمة المقاومة حيث الكثير من العبر "كان منظر دمار مروع، شوارع مليئة بالانقاض وهمجية وحقد العدوان، لا وجود للحياة... فالدخان يتصاعد مما تبقى من هياكل المباني المحترقة، وروائح البارود "تعبق" في المكان". أما اليوم فانقلبت تلك المشاهد "المباني أفضل مما كانت عليه سابقا. الاهالي يعودون الى ديارهم. الحياة تدب في كل الزوايا. عاد الكبار وامتلأ الفضاء بضجيج الصغار". يصف جشي مشروع "وعد" "بالمغامرة الناجحة والمتميزة والفريدة التي تطلبت جهدا كبيرا"، والسبب "لأنه لم يسبق في إعادة الاعمار خلال الحروب ان خيضت هذه التجربة من قبل جمعية أهلية". 400 مليون دولار بلغت الكلفة التقديرية لتمويل المشروع 400 مليون دولار اميركي مولتها 3 مصادر: المساعدات المقدمة من الدول الواهبة عبر الدولة اللبنانية الى اصحاب المنازل المهدمة كليا. الهبات والتبرعات العينية (الحديد والرخام والبلاط...) المقدمة من الجمعيات الخيرية في العالمين العربي والاسلامي. اما ما تبقى فتكفلت به جمعية "جهاد البناء" التابعة لـ"حزب الله". استهتار "العليا للاغاثة" ولأن لكل عمل ظروفه ومعوقاته، كما يشرح المهندس جشي، يعدد أهم العقبات التي أعاقت مسار الاعمال في المشروع "فحين رفعت الهيئة العليا للإغاثة أنقاض المباني المدمرة، اكتفت برفعها على مستوى سطح الارض، وبالتالي، بقي الركام موجودا في الطوابق السفلية، الأمر الذي دفعنا لتولي الحفر وتدعيم المنطقة المحيطة بالأبنية المدمرة، خوفا من انهيارات محتملة للمباني الملاصقة او تخريب بنى تحتية للشوارع المحيطة، وهذا بدوره استغرق شهورا، وجهدا جبارا. كما اضطررنا الى استخدام الكثير من الشركات، خصوصا واننا كنا معنيين باستحداث بعض الطوابق السفلية لمرآب السيارات اضافة الى التباطؤ في الدفع من قبل الدولة. وبطء التمويل من قبلها". تأثير سياسي احدث انسحاب شركات مقاولات عالمية كبرى إرباكا وتأخيرا في الاعمال نتيجة الضغوط السياسية التي مورست على بعضها والحساب التجاري للبعض الآخر "فعندما حضرنا الملفات الاولى لإجراء المناقصات، انسحبت هذه الشركات بعد تعويلنا على قدراتها. فأربع او خمس منها كانت كافية للقيام بعملية الاعمار. ما أجبرنا على استخدام 23 شركة محلية لانجاز هذا العمل بقدرات بشرية وطاقات أقل". ويعدد جشي أسباب انسحاب الشركات "فمنهم من اعطى تبريرا ومنهم من لم يعط. بعضهم تذرع بعدم استطاعته الحصول على ضمانات مصرفية. وآخرون فضلوا الاستثمار في الخليج بالتزامن مع ثورة العمران آنذاك. وقسم لمح بممارسة ضغوطات عليه، على المستوى السياسي الخارجي، الممتعض من إعادة بناء الضاحية الجنوبية". لم يستغرب جشي هذا الامر، لأنه في رأيه استكمالا للاعتداء على المقاومة من الخارج ولتحقيق أمنيته بإيجاد شرخ بين المقاومة وشعبها. ولم يكن الوضع العام في لبنان خلال السنوات الماضية بمعزل عن تداعياته السلبية على انجاز الاعمال "حيث كانت أي ازمة على المستوى العلاقات اللبنانية- السورية تلقي بثقلها علينا. فالعمالة في لبنان بمعظمها من الجنسية السورية. وكنا نتأثر بموجة التصعيد، وبالتالي، ضعف العمالة". رضا الأهالي اولا استمهل مشروع "وعد" قبل عملية الإعمار للاطلاع على المخططات التوجيهية للبلديات. وافساح المجال لأصحاب الحقوق للاطلاع على خرائط المشروع والتصاميم. والأخذ بملاحظاتهم واجراء التعديلات بناء على ذلك. فجرى أكثر من 8000 تعديل من قبل المالكين توزعوا على 5500 قسم بين شقة سكنية ومحل تجاري ومستودع. وبعض الشقق طاولها أكثر من ثلاثة تعديلات. كما سمح المشروع للأهالي اختيار بعض مواد التشطيب من البورسلان والسيرميك والمجالي. فالهم الاكبر، تحصيل رضا العائدين بالتشاور معهم، ولو على حساب العمل الشاق والجهود الاضافية. قانون السلامة يسبق مراسيمه الرسمية في الضاحية هاجس عودة المهجرين الى سكنهم، ورد التحدي للعدو، سيطر على القيمين على مشروع وعد، الذين عملوا بجهد فاق قدراتهم للاسراع في عملية الاعمار. لذلك احتل موضوع السلامة العامة في البناء حيزا مهما من المشروع. "فقد طبقنا قانون السلامة العامة والذي لم تصدر مراسيمه التنظيمية بعد في لبنان، ايمانا منا بأن أهلنا يستحقون كل عمل يخدم البلد. دققنا في التفاصيل المملة. فحصنا المواد قبل تصنيعها ووصولها الى الورش. اعتمدنا نظام الحماية من الزلازل، الحوائط المزدوجة توفيراً للطاقة ولعزل الصوت، الباب المزدوج للمصاعد للأمان أكثر" كما يشرح جشي. ويتابع " أمنّا مرائب للسيارات للمباني التي كانت تعاني من هذه المشكلة إما بشراء طوابق سفلية او استحداث أخرى، ومنحدرات لذوي الاحتياجات الخاصة لتسهيل حركة مرورهم، اضافة الى تأمين بئر ارتوازية وموّلد كهربائي واعتماد نظام الإطفاء وجهاز الإنذار لغرف الكهرباء". ذاكرة منعت الاخضرار هي الذاكرة الجماعية تفرض نفسها. ذاكرة اختزنت تفاصيل الحياة بأفراحها واتراحها. فالمنزل ليس جدرانا فقط. هو مجموعة من الذكريات في كل زواياه. واقع فرض نفسه على مهجري الضاحية الذين رفضوا حتى نقل مبنى واحد لإقامة حديقة مكانه، وحجتهم كما يقول هي الذكريات الجماعية. فعمد مشروع "وعد" الى شراء قطعتي ارض في حارة حريك وحولهما الى حدائق، فيما تقصد انشاء طابق سفلي تحتهما لركن السيارات. اضافة الى ذلك، التزم المشروع بالمخطط التوجيهي للبلديات هناك، والذي تغيب عنه المساحات الخضراء. بطء في البنى التحتية لم يتدخل مشروع وعد في مسألة البنى التحتية باعتبارها شأنا وملكا عاما "وهي مسؤولية البلديات والجهات الرسمية الاخرى ولا نتدخل بها لأنها ليست من صلاحياتنا". الا انه لا يخفي تذمره من البطء الشديد في انجازها آملا الاسراع فيها بعيدا عن السجالات الاعلامية. ملاجئ مستحيلة وحول اقامة الملاجئ استعدادا لأي عدوان "اسرائيلي" محتمل، يرى جشي انه من المستحيل مجاراة الصواريخ "الإسرائيلية" التي تخترق الأبنية حتى عمق 18 مترا في باطن الأرض لتنفجر بعدها، وبالتالي ستتحول الى مقابر جماعية. والحل برأيه "هو منع هذه الصواريخ من الوصول ليس فقط الى الضاحية بل الى كل الاراضي اللبنانية عبر وضع خطة دفاع وطنية"، متسائلا "هل هناك امكانية لاستحداث ملاجئ لكل الشعب اللبناني. وهل المطلوب ان يختبئ الشعب اللبناني في ملاجئ؟. ضياع صاروخ ويذكر أنه خلال عدوان تموز اخترق صاروخ "اسرائيلي" مبنى من 7 طوابق نزولا الى عمق 18 متر ثم غير مسار اتجاهه. ولم يعرف حتى اليوم مكانه. ويجدد جشي وعده للأهالي بعدم ادخار الجهد للاسراع في عملية اعادة الاعمار "ففريق "وعد" بعدده الكبير يسعى جاهدا الى إرضاء الناس ومساعدتهم وان كان ثمة تقصير فهو غير مقصود، ونحن في المراحل النهائية من هذا المشروع". ويثني على صبر الاهالي وتمسكهم بأرضهم والعودة الى مساكنهم وضاحيتهم رغم التهويلات بحرب جديدة، مستحضرا في ذاكرته صورة اهالي الجنوب اللبناني "فمنذ 1948 و"اسرائيل" تقصف القرى وتدمرها ثم يعيد الناس اعمار بيوتها ويتمسكون بأرضها". |